سيد محمد طنطاوي

190

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والضمير في قوله - تعالى - : * ( فِيه شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) * يعود على الشراب المستخرج من بطونها وهو العسل . أي : في العسل شفاء عظيم للناس من أمراض كثيرة تعرض لهم . وقيل : الضمير يعود إلى القرآن الكريم ، والتقدير : فيما قصصنا عليكم في هذا القرآن الشفاء للناس . وهذا القيل وإن كان صحيحا في ذاته ، إلا أن السياق لا يدل عليه ، لأن الآية تتحدث عما يخرج من بطون النحل وهو العسل ، ولا وجه للعدول عن الظاهر ، ومخالفة المرجع الواضح . قال الإمام ابن كثير : والدليل على أن المراد بقوله * ( فِيه شِفاءٌ لِلنَّاسِ ) * هو العسل ، الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري - رضى اللَّه عنه - ، أن رجلا جاء إلى رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - فقال : إن أخي استطلق بطنه فقال : « اسقه عسلا » ، فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال : يا رسول اللَّه ، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا . قال : « اذهب فاسقه عسلا » . فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال يا رسول اللَّه ، سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا . فقال رسول اللَّه - صلى اللَّه عليه وسلم - « صدق اللَّه وكذب بطن أخيك . اذهب فاسقه عسلا » فذهب فسقاه عسلا فبرئ . ثم ساق الإمام ابن كثير بعد ذلك جملة من الأحاديث في هذا المعنى منها ما رواه البخاري عن ابن عباس قال : الشفاء في ثلاثة : في شرطة محجم أو شربة عسل أوكية بنار ، وأنهى أمتي عن الكي « . وروى البخاري - أيضا - عن جابر بن عبد اللَّه قال : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « إن كان في شيء من أدويتكم - أو يكون في شيء من أدويتكم - خير : ففي شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو لذعة بنار ، توافق الداء ، وما أحب أن أكتوى » « 1 » . وقال صاحب فتح البيان : وقد اختلف أهل العلم هل هذا الشفاء الذي جعله اللَّه في العسل عام لكل داء ، أو خاص ببعض الأمراض . فقال طائفة : هو على العموم في كل حال ولكل أحد . وقالت طائفة : أخرى : إن ذلك خاص ببعض الأمراض ، ولا يقتضى العموم في كل علة

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 2 ص 575 .